شبكة بحوث وتقارير ومعلومات

مرحبا بكم في شبكة بحوث وتقارير ومعلومات

اليوم الثلاثاء 21 مايو 2024 - 2:17 م


اخر المشاهدات
الأكثر قراءة


عناصر الموضوع




غير مصنف

العلاقة بين كثرة المذاكرة والإصابة بالاكتئاب الثنائي القطب … نظرةٌ طبيةٌ سلوكية # أخر تحديث اليوم 2024/05/21

السؤال :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تبلغ ابنتي من العمر 15 سنة، ولقد تعبت من كثرة المذاكرة والقلق والتوتر والمنافسة في الصف، وهي من الأوائل ولكنها لا تعتمد على الذكاء، بل كل اعتمادها على حفظ الدروس وعلى قليلٍ من الفهم، والحفظ عندها هو كل تفوقها ونجاحها، وتذاكر من بعد رجوعها من المدرسة إلى الساعة الواحدة ليلاً دون توقفٍ إلا للصلاة فقط، وليس عندها إجازة للراحة، وكل همها المذاكرة والنجاح والتفوق.

وقد نصحتها بالراحة ولكن دون جدوى، فهي مصممة على رأيها ولا تعرف الراحة أو الاستمتاع بالإجازة، فالأسرة تخرج وهي تتحجج بالمذاكرة ومراتٍ قليلة تطلع، ومنذ فترة شهرين تقريباً أصابها حزن وعدم تركيز في المذاكرة، وتشتكي من المنافسة في الصف والتوتر والقلق حتى أصبحت لا تقاوم أي شيء، وينتابها شعورٌ بالتقصير ولومٌ لذاتها، وتأتيها وسواس وتفكر في العقيدة والحساب والعقاب والذات الإلهية، وعندما تصلي تشك أن أحداً يراقبها.

وقد فحصنا دمها وبولها وكانت النتيجة سلبية، وذهبت بها عند طبيبٍ نفسيٍّ وشخص حالتها بأنها اكتئاب، وأعطانا دواءً اسمه سيبراليكس (10 ملغم) بجرعة نصف حبة بعد الغداء، ودواء (تربتزول 25) بجرعة حبة بعد العشاء يومياً، وبعد ثلاثة أيام بالضبط انتابها شعورٌ بالانشراح والفرح الزائد وأصبحت مُزعجة وتتخيل أن أحداً يأخذ أغراضها، وتسب وتلعن، فاتصلت بالدكتور فقال لي: أوقف الدواء، وبالفعل أوقفنا الدواء، وفي اليوم الذي بعده أعطانا دواء آخر اسمه (زيبربكسا Zyprpxa alanzapine 10) بمعدل حبة واحدة في المساء، واستمررنا لمدة أربعة أيام ولم يتغير شيء، وأخبرنا الدكتور بذلك فزاد الجرعة إلى حبتين في اليوم كل 12 ساعة، أي حبة في الصباح وحبة في المساء، واستمررنا لمدة ثلاثة أيام وتحسنت حالتها.
ويوم أن تتحسن تتأسف على كل الذي صدر منها وتقول: أتخيل أن شيئاً سيحدث لي وآمركم أن تفعلوا لي ما أطلبه؛ وعلى سبيل المثال تقول: أريد أن أذهب إلى الحديقة لأن صديقاتي سوف يقيمن لي حفلة هناك، وللعلم كانت لها حفلة بنفس الحديقة قبل انتكاستها بيومٍ واحدٍ فقط. فماذا الذي حصل لها بالضبط؟!
والمعروف أن دواء الاكتئاب يُؤخذ فترةً حتى يتحسن المريض لمدة أسبوعين إلى أربعة أسابيع، فلماذا أثر عليها بهذه السرعة؟ وهل التشخيص غير سليم؟ وما هو العلاج؟ وهل سيؤثر الدواء الذي أخذته مستقبلاً على حياتها أم سترجع إلى حالتها؟!
ولكم جزيل الشكر.

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مخاوي الحزن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فما ورد في رسالتك يدل على أن هذه الابنة حريصة جداً على المذاكرة، وربما يكون سبب ذلك ضغطاً نفسياً كبيراً عليها، علماً بأنه ربما يكون لديها شيء من الاستعداد الداخلي للصعوبات النفسية.

فهذا التوجه في تشخيص الطبيب لهذه الابنة بأنها تعاني من اكتئاب نفسي ربما يتجه إليه معظم الأطباء حين توصف لهم الحالة بالوضع الذي وصف، ولكن أعتقد أن هذه الابنة كان لديها أيضاً شيء من الوساوس وربما شيء من الظنان، أي أنها كانت تشك وتسيء التأويل، مع وجود بعض الوساوس القهرية، وربما قصد الطبيب المعالج الوساوس والاكتئاب عن طريق السبراليكس وهو علاج فعّال وممتاز جداً، ولكن بعد ما حدث لها من زيادةٍ في الانشراح نتج بالطبع من الدواء بصورة جزئية، ولكن هذا بالطبع يجعل منحى التشخيص يتغير بصورة كاملة، أي أنها في الأصل تعاني من اضطراب وجداني ثنائي القطبية، أي أن نوبات الانشراح تتناول مع نوبات الاكتئاب، فحين شاهدها الطبيب أول مرة كانت في مرحلة الاكتئاب والذي ربما أيضاً يكون اعتبره اكتئابا ظرفياً مع وجود الوساوس، ولكن حقيقة الأمر أن الطفلة لا تعاني فقط من الاكتئاب بصورته أحادية القطب ولكنها تعاني من الاضطراب ثنائي القطبية.

وهذا من الأمور التي نلاحظها كثيراً، وحقيقةً لا يستطيع أي طبيب أن يتأكد هل الشخص يعاني من اضطرابٍ أحادي القطبية أو ثنائي القطبية، ومثل هذه التجارب العلاجية هي التي تثبت الحالة الحقيقية للإنسان.

وعموماً؛ فالذي أراه أن هذه الابنة الكريمة تعاني من اضطراب وجداني ثنائي القطبية، ويعتبر العقار الذي يعرف باسم الزبركسا أو ما يعرف علمياً بأولانزبين من العلاجات الفعّالة والممتازة جداً للاضطراب الوجداني ثنائي القطبية، كما أنه يعتبر علاجاً فعّالاً ومتميزاً بالنسبة للشكوك والظنان.

إذن؛ فأرجو أن تستمر على هذه الجرعة وهي 20 مليجرام في اليوم وهي تعتبر جرعة كبيرة نسبياً ولكنها جرعة سليمة جداً، وأنا على ثقة كاملة أنها بعد استقرار حالتها سوف يقوم الطبيب بتخفيض هذه الجرعة.

والذي أود أن أنصح به هو الحرص التام على تناول الدواء؛ لأن هذه الابنة انتابها هذا المرض وهي في سنٍّ صغيرة، وتعتبر هذه الحلقة في عمرها حلقة ضعيفة من حلقات العمر، وإذا لم نحرص جميعاً على أن نشجعها ونجعلها تلتزم بالدواء فلربما يتطور الوضع النفسي لديها وتكون الحالة أشد مما هي عليه، ولكن فرص التحسن وفرص الشفاء موجودة، فالحرص على تناول الدواء وعدم التوقف عنه مطلقاً إلا باستشارة الطبيب.

وهناك مثبتات أخرى للمزاج؛ فمنها عقار يعرف باسم تجراتول وآخر يعرف باسم دباكين كرونو، وهي أدوية شائعة، ولكن الزبركسا يعتبر علاجاً طيباً وجيداً وخاصة في علاج الأعراض الملازمة لحالتها، وهي الظنان وسوء التأويل.
ولابد أن أكون صادقاً وأميناً معك بخصوص المستقبل، وأتمنى بالطبع أن تستقر حالتها في المستقبل وأن تعيش حياة طبيعية، ولكن الذي أود أن أقوله أن 40 إلى 50% من المرضى يشفون شفاءً تاماً، ويظل حوالي 40% في حالةٍ مستقرة مع استعمال الدواء ووجود بعض الأعراض البسيطة للمرض، وحوالي 10 إلى 20% ربما يتحول مرضهم إلى مرض مطبق وشديد.

إذن؛ فهذه هي الإحصاءات العالمية التي نعرفها في خصوص هذه الأمراض، ومن هذه الإحصاءات يتضح أن الحرص على الدواء والاستمرار في الدواء هو المؤشر الأساسي للوضع الذي سوف تنتهي عليه الحالة، فالدواء والاستمرار عليه شيء ضروري جداً، وأيضاً فلابد من الدعاء دائماً الذي يعتبر سلاح المؤمن، ونسأل الله لها الحفظ والرعاية وأن يزول الذي بها.
وأما بالنسبة للدراسة فلابد أن يكون الأمر أكثر توازناً؛ بمعنى أن تقلل من الإجهاد وتشجع دائماً وتحفز وتطمئن، وأن تساعد في إدارة وقتها، فهذا يعتبر أمراً ضرورياً جداً، وربما تلعب المعلمة دوراً في ذلك، وفي رأيي من الأفضل أن تقابل والدتها معلمتها التي تشرف عليها وتوضح لها ظروف الطفلة، وأن يوضع لها برنامجاً لإدارة الوقت وتساعد في ذلك، وهذا في رأيي سوف يساعدها كثيراً.

وأسأل الله لها الشفاء والعافية.

وبالله التوفيق.
——————————————————
انتهت إجابة المستشار النفسي الدكتور محمد عبد العليم، ونظراً لإتمام الفائدة واستكمال الجواب تم عرض استشارتك على المستشار الشرعي الشيخ أحمد مجيد الهنداوي، فأجاب قائلاً:
إن هذه الحالة التي انتابت ابنتك هي حالة تحتاج الوقوف عليها وقوفاً يبين حقيقة الأسباب التي أدت إليها، ثم بعد ذلك الوقوف على كيفية علاج هذه الحالة والخروج منها، وبدايةً فإن ابنتك قد حصل لها نوع من الإغراق في التحصيل، ونوعٌ من استنفاد الطاقة الكاملة في الدراسة والمراجعة، فحصل لها بذلك تفوق كما أشرت في مراحل دراستها، ثم بعد ذلك حصل لها منافسات من طرف الطالبات -كما هو عادة الصف الدراسي أن يكون هنالك تنافس في الحصول على المراتب الأولى المتقدمة، وهذا أدى بها إلى زيادة بذل جهدها لتحصيل الدرجات الأعلى والمراتب المتقدمة، فلم تجد لنفسها جهداً إضافياً، ولم تجد من إمكانها قدرة على الزيادة، فحصل لها نوع من الانكسار النفسي الذي جعلها تشعر بالإحباط وجعلها تشعر بالعجز، فهي كانت تبذل جهدها الكامل من قبل وكما أشرت منذ أن تعود من المدرسة تتناول طعامها ثم بعد ذلك تنهمك في الدراسة، فلا ترفع رأسها إلا لأجل تناول بعض الطعام أو لأداء الصلوات، ثم تظل على هذه الحال إلى الساعة الواحدة ليلاً.
فهي إذن كانت تبذل كل جهدها وتبذل كل ما لديها من طاقة، فلما ازدادت المنافسة -كما شكت لكم في الآونة الأخيرة- أرادت أن تبذل جهدها أكثر فلم تجد لهذا الجهد مكاناً، ولم تجد لديها قدرات إضافية، فأصابها هذا الإحباط الذي رأيته، وانقلب لديها هذا الجهد ضعفاً ووهناً وتشتتاً في الذهن وضعفاً في التركيز فأصابها إحباط نفسي ونالها همٌّ وغمٌّ أدى بها إلى الاكتئاب وأدى بها إلى ظهور هذه الحالة التي تراها الآن؛ وهي أنها تكون حزينة مهمومة مشتتة الذهن كئيبة، ثم بعد ذلك ربما حصل لها شيء من إظهار الفرح وشيء من الانشراح وكأن لم يكن بها شيء، وربما انضاف إلى ذلك ما أشرت إليه من حدوث هلاوس قد تكون سمعية أو بصرية.
وهذا كله يدل على أن ابنتك قد تعرضت إلى حصول الاضطراب الثنائي القطب، أو ما يسمى بـ(الاكتئاب الثنائي القطب)، وكلها مسميات واحدة.
وأيضاً فهذا النوع يسمى بالهوس الاكتئابي، فهو هوسٌ راجع إلى حالة من الاكتئاب واضطرابٍ للنفسية يؤدي إلى ظهور حالتين للمريض: حالة يكون فيها كئيباً حزيناً مهموماً مشتتاً وربما صاحب ذلك بعض الانفعال الزائد، وحالة يكون فيها مسروراً منشرحاً وربما يضحك بصورة غير عادية، فهو له حالان وهذا هو الذي يُعبر عنه بالاضطراب الثنائي القطب.
والمقصود أن ابنتك الآن تحتاج منك إلى رعايةٍ بالغة، وتحتاج منك إلى رعاية تجعلها تخرج من هذه الحالة التي تعاني منها، ونبشرك ببشرى عظيمة بأن ابنتك وإن كانت وصلت إلى مرحلة أن تتعرض فيها إلى حصول نوع من التخيلات أو نوع من الهلاوس إلا أنها بحمد الله لازالت سليمة معافاة من الناحية العقلية؛ لأن ما لديها أمر راجع إلى حالة نفسية وليس إلى حالة عضوية كما هو الغالب في مثل هذه الحالات، والذي يطلب منكم الآن أن تشمروا عن ساعدي الجد في علاج ابنتكم علاجاً يجعلها تخرج من هذه الحالة دون أن تتعرض إلى مزيد من الضرر النفسي أو نكسات أخرى تتفاقم فيها هذه الحالة، فالمطلوب خطوات سهلة ميسورة وستجدون أثرها قريباً بإذن الله عز وجل:
1- البدء بأعظم أمر في هذا المقام، وهو الفزع إلى الله والاستعانة به، فأنتم الآن مضطرون لله عز وجل ومضطرون لرحمته، وتريدون شفاء ابنتكم التي هي فلذة كبدكم، فعليكم بأن تلجأوا إلى الله لجوءاً صادقاً وأن تضرعوا لرحمته أن يشفيها وأن يعافيها؛ فقد قال تعالى:
((أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ))[النمل:62].
فالجأوا إلى الله وتضرعوا إليه وابذلوا الأعمال الصالحة تقرباً إلى الله عز وجل ليفرج عنكم هذا الكرب، فإن من يتوكل على الله فقد كفاه الله المؤونة؛ كما قال تعالى: ((وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ))[الطلاق:3].
2- البدء بخطواتٍ عملية في علاج حال ابنتكم، فإن منشأ ما أصابها من هذه الحالة الشديدة من الاكتئاب الذي أدى بها إلى الوقوع في الهوس الاكتئابي، هو شدة ما حصل لها من الضغط النفسي، والإحباط الشديد لما تجده من عدم القدرة على مواصلة الجهد في المذاكرة، فكما أشرت كل اعتمادها على الحفظ وتعتمد قليلاً على الفهم، ثم وجدت نفسها بعد ذلك عاجزة عن تحصيل المزيد، فالمطلوب منكم الآن أن تخففوا عنها أمر الدراسة وأن تضعوا أمام عينيها حقيقة تحصيل الشهادات وحقيقة تحصل المراتب المتقدمة في المدرسة.
فمثلاً في حال هدوءها وحال تفهمها وإمكان التكلم معها ابدءوا معها بقصة حول أنفسكم، فمثلاً تتكلم أمها عن أيام دراستها وكيف كان لها جهد في التحصيل، وكيف كان لها مثابرة في الدارسة، ولكن مع اعتدالٍ وتوسط، فكانت تأخذ حظها من اللعب البريء، وكانت تأخذ حظها من التسلية المباحة ومع هذا فكانت تدرس، وكذلك أنت تقص عليها طرفاً من حياتك وطرفاً من أخذك لهذه العلوم ولهذه الدراسة، وكيف أنك بحمد الله حققت أموراً حسنة في حياتك في الأمور التي تتعلق بالعمل والوظيفة ونحو ذلك، دون أن يكون لك إغراق شديد في هذه المعاملة.
والمقصود أن تأخذوا بنظرها لهذه المعاني برفق وهدوء دون أن تصادموا ما لديها من هموم وما لديها من مشاكل، ودون أن يكون هنالك تقريع أو عتاب أو تذكير بأننا كنا نقول لك كذا وكذا ولم تكوني تستجيبين لكلامنا ونحو هذه المعاني.
فالمطلوب منكم الآن هو الأخذ بنظرها إلى حقيقة هذه الدراسة، وإلى أن المقصود منها هو تحصيل الدرجات بحسب الإمكان والاستطاعة، مع الأخذ بحظ النفس والرفق بها، وبإعطاء المثال الصالح على ذلك من الرفيقات الصالحات، ومن الطالبات المجتهدات اللاتي يوازِنَّ بين أمور الدراسة وأمور الأخذ بجانب الترفيه عن النفس، وبجانب القيام بالحقوق الشرعية الأخرى.
3- الحالة التي لدى ابنتكم هي حالة إغراق في الدراسة، وإغراق في التنافس مع صاحباتها في الصف، أدت بها إلى حصول هذه الانتكاسة التي أدت بها إلى كآبة شديدة ترونها وإلى حصول اضطرابات تجعلها متقلبة على النحو الذي وصفناه، فهذه الحالة تحتاج منكم إلى أن تعودوا بها إلى المنافسة الحقيقية التي لابد أن تكون عليها، وهذا يحتاج منكم أن تبينوا لها أن المؤمن والمؤمنة إنما يجعل جُلَّ همه ويجعل غايته في تحصيل مرضاة الله جل وعلا وفي تحصيل الدرجات العلى في الجنات والدرجات العلى في الآخرة، فلابد أن تأخذوا بنظرها إلى أن المنافسة الحقيقية ليست في الدنيا فقط.
نعم التحصيل الدراسي مطلوب والأخذ بالحظ من الدنيا مطلوب، ولكن لابد أن يُنقل ذهنها إلى أمر آخر وأعظم يهون عليها ما هي فيه من هذا التحصيل الذي تعجز عن تحصيله في الحقيقة، فلابد أن ينقل نظرها إلى التنافس في أمور الخير وفي أمور الشرع، كما قال تعالى: ((انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا))[الإسراء:21].
فتُضرب لها الأمثلة الصالحة من أمهات المؤمنين ومن العابدات القانتات، ويأخذ على ذلك مثال كمثال مريم رضي الله عنها التي عظم الله شأنها والتي بيَّن الله جل وعلا عظيم قدرها حتى أنزل سورة كاملة في شأنها، وحتى أثنى عليها جل وعلا، بل وكلمتها الملائكة؛ كما قال تعالى: ((وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ))[آل عمران:42-43]، ونحو ذلك من الأمثلة الصالحة من الصحابيات الطاهرات من بنات النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وسائر الصحابيات الكريمات.
والمقصود بهذه الخطوة أن يخفف عن ابنتك هذا الشعور العارم الذي جرفها إلى هذا الاكتئاب الشديد، بحيث يحصل لها اعتدال واتزان في تناول حقيقة هذه الدراسة وحقيقة التحصيل فيها وحقيقة التنافس، فأنتم الآن بهذه الخطوة تنقلونها من النظر والانهماك إلى الدراسة انهماكاً يضرها إلى الاعتدال في ذلك وإلى التوسط وإلى تحقيق التوازن بين تحصيل الجانب الشرعي والجانب الدنيوي، وهذه الخطوة إن نجحتم فيها فقد شُفيت ابنتكم وقد عوفيت من كل سوء، وستجدون منها بعد ذلك اعتدالاً في المزاج وانشراحاً في النفس وستجدون أيضاً أن مستواها التحصيلي قد تحسن وأنها لن تحتاج وقتاً طويلاً في تحصيل العلوم، بل ربما انخفض وقت مذاكرتها إلى ساعات أقل بكثير مما كانت هي عليه قبل أن تتفطن إلى هذه المعاني.
نعم ابنتكم بحمد الله محافظة على الصلاة ومحافظة على طاعة الله ولكن لابد من الأخذ بشعورها ومن الأخذ بزمام نفسها إلى حقيقة التنافس في الخيرات، وأن يبين لها أن التنافس الحق إنما يكون في أمور الآخرة، كما قال الله تعالى: ((وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ))[المطففين:26]، وقال تعالى: ((فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ))[البقرة:148]، ونحو هذه المعاني.
والمقصود أن تأخذوا بنظرها إلى هذه المعاني التي تعدل مزاجها وتعدل تفكيرها وتعدل من نظرتها إلى أمور الدراسة والتحصيل والتنافس في الدراسة.
4- تنبيهها إلى أمرٍ عظيم، وهو محاربة هذه الأفكار التي تتسلط عليها، سواء كانت أفكاراً تتعلق بالدراسة والتنافس، أو كانت أفكاراً تتعلق بالعقيدة، أو كانت أفكاراً تتعلق بالوسوسة في الصلاة.
فالمطلوب منها أن تقطع هذه الأفكار، وأن تتعود على الاستعاذة بالله منها عند ورودها فإن هذا هو الدواء النبوي في علاج الوساوس، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم بياناً شافياً حقيقة علاج هذه الوساوس، فالوساوس تعالج أولاً بالاستعاذة بالله من شرها ومن شر الموسوس بها؛ كما قال تعالى: ((وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ))[الأعراف:200]، وقال تعالى: ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ))[الناس:1-6].
وتُعالج أيضاً هذه الوساوس بما يضادها؛ والذي يضادها هو الاشتغال بالأمور النافعة عنها، فإذا شعر الإنسان بهجمتها عليه فعليه أن يشتغل بذكر الله وبطاعته وبأن يعمل على انشغال ذهنه بأمور خارجية مادية حسية، ليطرد عن نفسه الانهماك والاسترسال في هذه الوساوس.
وتُعالج أيضاً بقطعها وعدم المضي فيها، وهذا يحتاج إلى تدريب وتعويد لتصل ابنتكم إلى إمكان قطع هذه الوساوس والبعد عنها وعدم الاسترسال فيها.

5- توفير الجو المناسب الذي يعينها على الترفيه عن نفسها، فهاهنا مشروع عظيم لو أمكنكم أن تقوموا به وهو السفر بها والخروج بها من هذا المحيط الذي تعيشه الآن، فإن أمكنكم بعد وقت الإجازة المدرسية أن تأخذوها إلى العمرة لتقوم هنالك لأداء هذا النسك العظيم ولتشاهد الكعبة بيت الله الحرام ولتجلس في مجالس الذكر والصلاة وتلاوة القرآن وتخرج من هذا المحيط الذي يشوش على ذهنها، فكل ما عندها الآن يذكرها بالمدرسة وتتسلط عليها هذه الأفكار، فإذا أخرجتموها من هذا الوضع سهل عليها أن تنشرح نفسها وأن تخرج من هذا التوحد النفسي الذي حصل لها ومن هذا التسلط للوساوس التي تطرأ عليها، فحاولوا أن تبذلوا جهدكم في ذلك، بل لو اقتضى الأمر أن تبادروا إلى هذا فإنه حسن ونافع لكي تخرجوا بها من حالتها النفسية الشديدة التي قد تتفاقم إلى أن يتداركها الله تعالى برحمة منه وفضل.

6- البعد عن أسباب الانفعال الزائد، فابنتكم الآن بحاجة إلى رعاية نفسية فلابد أن تتجنب المشاكل وأن تتجنب الأمور التي تثيرها وتثير الانفعال لديها، فهي الآن في حاجة تحتاج إلى رعاية من الناحية النفسية أكثر من الناحية البدنية وإن كان كلاهما مطلوباً، إلا أن رعاية تجنيبها المشاكل وأسباب الانفعال الزائد أمرٌ مؤكد في هذه الأوقات لكي تخرج من حالة الشتات النفسي ومن حالة الاكتئاب التي تعاني منها.

7- إرشادها إلى الدعاء وإلى تقوية صلتها بربها؛ فلابد أن ترشدوها إلى طاعة الله وإلى الدعاء وإلى التوكل على الله وأن تقووا صلتها بربها بتذكيرها بما عند الله تعالى من الأجر العظيم وبما أعده للمؤمنات الصالحات؛ لأن هذا أيضاً يعينها على انشراح نفسها، بل هذا هو الأصل في الانشراح والأصل في سعادة النفس كما بينا ذلك في مواضع كثيرة في غير هذا الجواب.

8- لابد من الحرص على إيجاد الصاحبات الصالحات اللاتي يعنّها على الخروج من هذه الحالة، لاسيما الصاحبات اللاتي لا يتنافسن معها في المدرسة كبنات الجيران وكالأخوات الصالحات اللاتي لا علاقة لهنَّ من المدرسة معها، فهؤلاء سوف يعنّها على الخروج من حالتها بالمؤانسة وبالكلمة الطيبة.

وأيضاً لابد من تنبيهها إلى ممارسة شيء من الرياضة الخفيفة كرياضة المشي التي هي من أنفع الرياضات لها لتنفس عن قلقها وتنفس عمّا هي فيه الآن من الاكتئاب.

9- تعويدها على التعبير عن نفسها والتعبير عمَّا يدور في خاطرها، وهي مسئولية عظيمة نخص بها أولاً زوجتك الكريمة التي هي أمها وأقرب الناس إليها ثم بعد ذلك أنت؛ فلابد أن تكونوا قريبين منها في هذه الفترة أكثر من غيرها.

ونود أن تعيدوا الكتابة إلى الشبكة الإسلامية بعد أسبوعين أو ثلاثة لنتابع هذه الحالة، ونسأل الله عز وجل أن يشفيها وأن يعافيها، وأن يخرجكم من هذا البلاء عاجلاً غير آجل.
وبالله التوفيق.

 
التعليقات

شاركنا رأيك



أقسام شبكة بحوث وتقارير ومعلومات عملت لخدمة الزائر ليسهل عليه تصفح الموقع بسلاسة وأخذ المعلومات تصفح هذا الموضوع العلاقة بين كثرة المذاكرة والإصابة بالاكتئاب الثنائي القطب … نظرةٌ طبيةٌ سلوكية ويمكنك مراسلتنا في حال الملاحظات او التعديل او الإضافة او طلب حذف الموضوع ...آخر تعديل اليوم 05/05/2024


اعلانات العرب الآن